المدونة قيد التطوير

mohamed ismael salama

الكوميديا الالهية بين أبي العلاء المعري..ودانتي..!!

أضف تعليق الجمعة, يونيو 27, 2014 , كتبها محمد إسماعيل سلامه
"مقال أعجبني"

كانت رحلة أبو العلاء المعري كما يقول محمد الشنواني– في رسالة الغفران – إلى العالم الآخر هي التي شغلت الأوربيين لما رأوا من ملامح الشبه بينها وبين الكوميديا الإلهية لدانتي ؛وما تزال قضية تأثر دانتي بابي العلاء المعري موضع خلاف قائم على انه مهما كان الرأي فيها فالذي لا شك فيه إن لرسالة الغفران قيمتها الكبرى من حيث هي اثر فني مبدع ولما تكشف لنا عالمه النفسي في تلك المرحلة من حياته عالم أديب ضرير مقيد محروم ..

فجنة أبي العلاء المعري أهلها اللغويون والشعراء ومن يقوم على خدمتهم من الغلمان والولدان المخلدين والمغنين والمغنيات وأبونا أدم جيء به ليسال في قضايا شعرية ولغوية والجن المؤمنون شعراء بارعون والحيات يروين الشعر وفيهن من لها علم بالقراءات والشعراء يغفر لهم بأبيات قالوها من الشعر ومنازلهم في الجنة حسب درجتهم في الشعر ما بين رجز وقصيدة والقيان يغنين بمختارات من الشعر والراقصات يرقصن على نغمه وإيقاعه وحديث الندامى لغة وشعر ويتنافر المتنافرون ويتخاصم المتخاصمون في الجنة حول مسائل لغوية ومرويات من الشعر ..

وجنة أبي العلاء جنة بشر عاش اكثر عمره مقيدا حبيسا يجاهد أهواء بشريته وأشواقها فلم يطق ان يتمثل جنة هادئة بالسكينة والسلام بل ملاها حركة وضجيج ورقصا وغناء ونزهة وصيد ويعلوا الصوت فيها حتى يصبح صياحا وصخبا وتعنف الحركة حتى تصير عراكا ..

فأبي العلاء الذي حرم على نفسه كل متع الحياة الدنيا حشد في جنته كل ما خطر على باله وتمثلته بشريته المحروقة المكبوته من صنوف متسع الحسية والملاذ المادية وأسرف في ذلك حتى جاء بهذه المتع مشخصة ممثلة واللافت هنا أن أبا علاء يجب أن لا تخلو جنته من ملامح دنيانا فالقصور عليها لافتات بأسماء الشعراء ودخول الجنة لا سبيل إليه بدون جواز موافقة وفي الجنة خيل لهواة الصيد وناقة لمن يشتهي ان يحلب اللبن والشيخ يأمر أن يكون بين طهاة مأدبته طهاة من حلب ولا يحتاج المدعوون ان يعبروا عن ما يشتهون بل يكفي أحيانا أن تخطر لأحدهم الرغبة أو يهجس في خلده الشوق فيجد ما اشتهى حاضرا ماثلا ..

والجنة ليس تكون جنة لأبي العلاء وفيها أعمى أو ذو عاهة بل ليس يكفيه أن يكون الأعمى بصيرا والأعشى احور والأعور سليم العينين وإنما يلتمس لكل من ابتلى بعاهة في الدنيا أن يعوض عنها في الآخرة تعويضا لا يقترحه إلا المبتلي المحروم
وفي المحشر نرى عراكا بين أبي علي الفارسي وجماعة من العرب لأنه أخطأ في رواية شعرا لهم ونرى ابن القارح يحاول التقرب من خزنة الجنة بقصائد نضمها في مدحهم ..

وكذلك الأمر في الجحيم بشار قد أعطى عينين بعد الكمة وابن القارح يسال خزنة النار عن مهلهل فيعرفه بأنه الذي يستشهد النحويين بقوله كذا وكذا والحوار مع الشعراء في النار والشيخ لم يلتقي غيرهم – في الشعر واللغة والرواية والانتحال وهو يواسيهم في عذابهم ويحزن لبلواهم ويشكي إلى شكواهم دون أن يجردهم من عواطف بشريتهم ..

وأبي العلاء في تصوير عالم الآخر متأثر دون شك بما في البيئة الإسلامية من وصف الحياة الأخرى ونخص بالذكر الجنة والنار في القران الكريم والمرويات الإسلامية عن الثواب والعقاب والشفاعة في كتب الحديث والتفسير وقصة المعراج ثم ديوان الشعر العربي للجاهلية وصدر الإسلام بما فيه وصف للمتع والملذات وفنون اللهو والطرب والمتعة نقلها المعري الى جنته وكذلك الأساطير العربية التي عرفت في البيئة الإسلامية عن أفاعيل الجن ومغامراتهم وشجر الحور...

والواقع أن رسالة الغفران ما تزال ذخيرة حية خصبة من تراثنا الإنساني لم نظفر بعد بكل كنوزها ولم نجل كل أسرارها الفنية
( لولا الكوميديا ما خرجت رسالة الغفران من قبرها )

ماذا كان يحدث لو كان الأب ( ميجويل أسين بلاسيوس ) قد أخفى اكتشافه وجعله سرا يدفن معه يوم مماته هذا الاكتشاف الذي أكد رائعة أوربا المعروفة بالكوميديا الإلهية لشاعر العصور الوسطى دانتي منقولة من أصول عربية لو كان قد فعل ذلك لترتب عليه عدد من النتائج في مقدمتها استمرار هذا السر مجهولا واستمرار اختفاء حقيقة وجود الجسور التي كانت تربط بين الفكر العربي والفكر الأوربي في العصر الوسيط والأكثر استمرار هذه المصادر العربية مجهولة إلا لمن أراد التعرف على تراكيب لفضية أو قضايا فقهية أو كلاسيكيات تاريخية أو مسائل نحوية أو أي أمر يبعدنا عن جورها الحقيقي الذي يعلن ابوتها للكوميديا الإلهية

لقد كانت قنبلة هائلة تلك التي ألقاها اكبر المستشرقين الأسبان بلاسيوس عام 1919 بإعلانه أن دانتي 1256 – 1321 في رائعة الكوميديا الإلهية مقلد لبعض الكتب العربية التي وردت عن معراج الرسول علية الصلاة والسلام واهمها كتاب رسالة الغفران وكتاب الفتوحات المكية لابن عربي ..

وجاء الدليل بعد إن رفض الإيطال قول( بلاسيوس) حين اصدر المستشرق الإيطالي أنريكو تشيروللي كتابا عام 1949 نشر فيه الترجمة اللاتينية والفرنسية القديمة للكتابات العربية للمعراج الإسلامي وتلخص قصة هذه الترجمة في أن الفونسو العاشر ملك قشتالة بأسبانيا أمر بترجمة هذه الكتابات من العربية إلى القشتالية وقد قام الطبيب اليهودي إبراهيم الحكيم عام 1264 أي قبل مولد دانتي بعام واحد بعد ذلك طلب هذا الملك من المترجم الإيطالي ( بونا فنتوراداسينا ) ترجمتها من القشتالية إلى اللاتينية والفرنسية القديمة في نفس السنة لإذاعتها فيما وراء الحدود الأسبانية وبذلك أيد تشيروللي فكرة بلاسيوس بما لا يدع مجالا للشك من أن أبي العلاء المعري أخذ كل بشر الدنيا إلى السماوات من خلال رسالة الغفران ..

كاتب المقال : سلام كوبع العتيبي
المصدر :
الحوار المتمدن "رابط المقال"

هل تريد التعليق على التدوينة ؟